وکاله آریا للأنباء - طالبات یتجمعن فی مسیره مناهضه للحکومه فی جامعه الزهراء للبنات بالعاصمه طهران (الفرنسیه)
طهران- بعد إغلاق دام أکثر من 50 یوما، عادت الحیاه إلى جامعات العاصمه الإیرانیه طهران ، مع بدایه الفصل الدراسی الربیعی، السبت الماضی، لکن بدلا من أن تملأ أصوات الأساتذه قاعات الدرس سرعان ما تصاعدت الهتافات من ساحات الحرم الجامعی، متزامنه مع مرور 40 یوما على مقتل العشرات فی الاحتجاجات الأخیره.
لم یأتِ هذا المشهد غریبا على الجامعات الإیرانیه التی ترکت بصمه بارزه فی الثوره الإسلامیه التی أطاحت بالعهد الملکی عام 1979، لکن الشعارات هذه المره تحولت من "الموت لأمیرکا" إلى "الموت للدکتاتور"، فی حین رفع عدد من نشطاء الحرکه الطلابیه صور زملائهم الذین سقطوا قبل 40 یوما.
ومع تجمع عدد من طلاب التکتلات الثوریه وعلى رأسها "التعبئه الطلابیه" ( الباسیج ) وإطلاق تکبیرات وهتافات داعمه للنظام، تحولت المسیرات الطلابیه إلى مواجهات "بین طلاب أرادوا إقامه مراسم عزاء لضحایا الاحتجاجات الأخیره وآخرین تصدّوا لهم بهدف الدفاع عن القیم"، کما یروی شاهد عیان من داخل حرم جامعه العلم والصناعه.
ویقول شاهد العیان -الذی فضّل عدم الکشف عن هویته- للجزیره نت إن إداره الجامعه "حاولت حثیثا فی بادئ الأمر احتواء الاحتجاجات داخل أسوارها، لکن صورا ومقاطع فیدیو تسربت إلى الخارج، فتحولت من حدث داخلی إلى قضیه رأی عام تطرح من جدید إشکالیه الصراع داخل الحرم الجامعی الإیرانی".

الاحتجاجات الطلابیه وضعت المؤیدین للنظام والمعارضین له فی أجواء مشحونه (الفرنسیه) حظر دخول
وقامت الجزیره نت بجوله میدانیه على جامعات "طهران، وشریف الصناعیه، والعلم والصناعه" بید أنها مُنعت من دخولها بدعوى أن ذلک محظور سوى لمن یحمل بطاقه طلابیه.
ومن أمام البوابه الرئیسیه لجامعه طهران بساحه "الثوره الإسلامیه"، التقت الجزیره نت الشاب یوسف (23 عاما) وهو طالب فی السنه الثالثه بکلیه العلوم السیاسیه، وکان یقلّب بطاقته الطلابیه بین أصابعه تمهیدا لإشهارها عند المرور من البوابه الرئیسیه.
ویقول یوسف إن البطاقه وإن کان حملها ضروریا منذ سنوات لدخول الحرم الجامعی لکن هذه الأیام لم تعد أداه إثبات هویه فحسب، بل جواز مرور إجباری فی ظل الإجراءات الأمنیه المشدده التی تحولت بها الجامعه العریقه إلى ما یشبه الحصن المنیع.
فی حین کان شاب آخر على بعد أمتار من البوابه یراقب الداخلین والخارجین، فتدخل برفق وطلب من مراسل الجزیره نت الابتعاد من البوابه لحساسیه التوقیت الذی تمر به الجامعه.
"معرکه مصیریه"
وللوقوف على روایه موضوعیه عما یدور داخل الجامعات الإیرانیه، انتقلت الجزیره نت إلى مدخل "جامعه شریف الصناعیه" على بُعد بضعه کیلومترات فی شارع آزادی الشهیر، فتمکنت من لقاء طلاب من کلا الطرفین.
یقول الشاب کریم (29 عاما)، وهو طالب مرحله الماجستیر بکلیه الهندسه، إن "الاحتجاجات الجامعیه بدأت عفویه تأبینا علی أرواح الضحایا لا سیما 300 من طلبه المدارس وطلاب الجامعات الذین سقطوا خلال انتفاضه مطلع العام الجاری"، مضیفا أن "أشباه الطلبه الحکومیین قاموا بمهاجمه المحتجین لفض مسیرتهم، فبادرنا بضربهم ضربا مبرحا لأنهم کانوا أقلیه".
فی المقابل، یعتقد الطالب التعبوی مهدی (24 عاما) أن ما یحدث لیس مجرد احتجاجات عابره، بل معرکه مصیریه بین قیم الثوره وأعدائها الذین تسللوا إلى الحرم الجامعی، مضیفا -فی حدیث للجزیره نت- أنه وزملاءه قاموا بتنظیم تجمعا "لمواجهه الفکر المنحرف".
وفیما یواصل حدیثه وکأنه یؤدی واجبا، یقول إن "الحریه لا تعنی الفوضى، هناک من یستغل مشاعر الطلبه لتمریر أجندات معادیه، نحن لم نقترب من الطلبه المحتجین إلا بعد رفعهم شعارات تجاوزت الخطوط الحمراء".
الدفاع عن الهویه الثوریه
ومن خلال الطالب مهدی، تواصلت الجزیره نت مع محمد نائیغ حقیقی، أمین مجلس طلابی، لتبیّن المواقف فی المنظمه الوطنیه للتعبئه الطلابیه (الباسیج)، الذی اعتبر بدوره أن الجوله الأخیره من الاحتجاجات "لم تکن ذات مطالب طلابیه أو معیشیه ولا احتجاجا على إخفاقات محدده"، مؤکدا أن "الشعارات والسلوکیات التی رفعها المحتجون جاءت متطابقه تماما مع مطالب العدو الخارجی والتیارات المناهضه للثوره الإسلامیه".
وفی حدیثه للجزیره نت، أشار حقیقی إلى أن العنف اندلع فی جامعه طهران عندما "رفع المحتجون علم النظام البهلوی البائد، وقاموا باختطاف علم الجمهوریه الإسلامیه من ید أحد أعضاء الباسیج وتمزیقه وحرقه"، مضیفا أنهم أطلقوا "شعارات رادیکالیه ضد الجمهوریه الإسلامیه وقیاداتها وحتى المقدسات الإسلامیه".
وکشف المسؤول الطلابی عن دوافع مشارکه "الباسیج" فی مواجهه الاحتجاجات، مؤکدا أن التنظیم سعى إلى "الدفاع عن الهویه الثوریه للجامعه ومُثل الجمهوریه الإسلامیه، والنقاش مع الطلاب المحتجین لمنع تحولهم إلى أداه لتحقیق أهداف العدو".
کما أشار إلى هدف ثانٍ یتمثل فی "تفنید الروایه المغلوطه التی کانت تروج عن حاله الیأس فی أوساط النخبه الإیرانیه تجاه النظام الإسلامی"، مشیرا إلى تعرُّض أعضاء الباسیج "لهجمات بالحجاره والسکاکین" من قبل المحتجین.
شعارات مناهضه
فی المقابل، یعتبر الطالب یوسف (اسم مستعار/38 عاما)، العضو السابق فی تنظیم "مکتب تحکیم الوحده" المنحل وأحد قاده الاحتجاجات بجامعه الشهید بهشتی، الاحتجاجات الأخیره فی الجامعه أنها امتداد للاحتجاجات الأخیره، حیث عمدت السلطات الإیرانیه حینها إلى إغلاق الجامعات بشتى الذرائع مثل بروده الجو وترشید استهلاک الطاقه ثم الدراسه عن بعد.
وفی حدیثه للجزیره نت، یضیف یوسف أن "الطلاب رفعوا شعارات تطالب بإسقاط النظام احتجاجا على قتله عددا من طلبه الجامعات الذین شارکوا فی الاحتجاجات الشعبیه على غلاء المعیشه قبل نحو شهرین، ولذلک نرى الشعارات التی رفعها الشارع الإیرانی فی الاحتجاجات الأخیره تتردد بنبره أعلى داخل الحرم الجامعی".
وکشف أن بعض الطلاب رفعوا شعار "یعیش الشاه"، فی حین رفض آخرون الانصیاع إلى خطاب التیارات السیاسیه التی تتمسک بالحکم منذ أکثر من 40 عاما وهتفوا "لا لل إصلاحین وکلا للمحافظین"، کما رددت شریحه أخرى شعارات تطالب بدیمقراطیه حقیقیه، وآخرون هتفوا ضد المرشد.
وأکد أنه رغم تراجع وتیره الاحتجاجات داخل الجامعات جراء الإجراءات الأمنیه المشدده منذ یوم الاثنین الماضی، فإن السلطات الإیرانیه تتجه لإغلاقها من جدید وتحویل الدراسه عن بُعد مره أخرى.
"مسکّن مؤقت"
وبعد أن باءت اتصالات الجزیره نت بوزاره العلوم والتعلیم العالی بالفشل للتعلیق على ما یدور داخل الحرم الجامعی، توجهت بالسؤال إلى الناشط الطلابی المخضرم فی مکتب تحکیم الوحده الإصلاحی فاضل خمیسی عن احتمالیه تجاوز هذه الاحتجاجات أسوار الجامعات إلى الشارع.
ویرى خمیسی، الذی شارک فی الاحتجاجات الطلابیه ضد النظام البهلوی خلال ثوره 1979، أن "الموجه الحالیه من الاحتجاجات تشبه سابقاتها فی تاریخ الجامعات الإیرانیه، حیث تبدأ داخل أسوار الجامعه ثم تمتد إلى الشارع".
وفی حدیثه للجزیره نت، یضیف أن التعامل الأمنی مع الاحتجاجات الطلابیه یمهّد الطریق لانفجار مستقبلی أکبر، موضحا أن "القبضه الحدیدیه إلى جانب تهدیدات السلطه القضائیه بالمحاکمات والرسائل النصیه المشبوهه على هواتف الطلبه، وتحویل الدراسه فی بعض الجامعات للتعلیم الافتراضی، قد تؤدی إلى إخماد مؤقت للاحتجاجات هذه المره".
ویصف خمیسی سیاسات وزاره العلوم تجاه الطلاب بأنها "غیر مناسبه"، مشددا على أن تشکیل اللجان التأدیبیه وتفعیلها لا یلیق بالجامعات الإیرانیه، ویحذر من أن إخماد الاحتجاجات بهذه الطریقه لن یکون سوى "مُسکّن مؤقت" وأن الغضب الطلابی سیبقى "نارا تحت الرماد" تنتظر الظروف المناسبه للانفجار مجددا.
المصدر: الجزیره