
وکاله آریا للأنباء -
بعد ما یقارب ثلاث سنوات على اندلاع الحرب التی غیّرت ملامح العاصمه السودانیه، عادت شوارع الخرطوم لتشهد مشهدا غاب طویلا: أول إفطار جماعی فی شهر رمضان ، حیث اجتمع الجیران على بساط واحد، یتقاسمون اللقمه کما کانوا یفعلون قبل أن تعصف الحرب بکل شیء.
مع اقتراب أذان المغرب، خرجت عشرات الأسر من منازلها، رجالا وأطفالا یرتدون الجلالیب السودانیه التقلیدیه، یحملون أطباق الطعام وأباریق المشروبات الرمضانیه. فی مقدمتها مشروب "الحلو مر" المصنوع من دقیق الذره، ذلک الطقس المتوارث الذی لا یکتمل رمضان فی السودان من دونه.
اصطفت الموائد على امتداد الشارع، بلا حواجز، کل أسره وضعت ما تیسر لدیها، لیصبح الطعام مشترکا، والفرحه کذلک. الأطفال یتحلقون حول الأطباق، والآباء یتبادلون الدعوات، وکأنهم یعلنون بصمت جماعی أن الحیاه أقوى من الدمار.
الإفطار فی الشوارع أمام المنازل لیس مجرد عاده موسمیه فی السودان، بل هو تقلید راسخ یُجسد قیم التکافل والتراحم. ففی هذا البلد، یخرج الناس بطعامهم إلى العلن، فی إشاره واضحه إلى أن الجوع لا یواجه فردیا، وأن رمضان مناسبه لتجدید روابط الجیره قبل أن یکون شهر صیام.
ورغم أن النزاع لا یزال مستمرا فی مناطق عده من البلاد، فإن الأحیاء التی استعادت قدرا من الاستقرار بدت مصممه على إحیاء طقوسها، وکأن سکانها یبعثون برساله مفادها أن مظاهر الحیاه قد تنحسر تحت وطأه الحرب، لکنها لا تموت.
فی تلک اللحظات، لم تکن الخرطوم تستعید فقط عاده رمضانیه، بل کانت تستعید شیئا من روحها؛ روح المدینه التی تعرف کیف تجتمع حول مائده واحده، حتى بعد أن فرقتها سنوات النار.
المصدر: الجزیره