وکاله آریا للأنباء - سیطرت إسبانیا، خلال القرنین السادس عشر والسابع عشر، على إمبراطوریه لم تکن الشمس تغیب عنها، تمتد من سهول المکسیک حتى مرتفعات البیرو، ومن کولومبیا إلى أقصى أمریکا الجنوبیه.
کانت أقوى إمبراطوریه فی العالم آنذاک، وسر قوتها لم یکن فقط فی اتساع الأرض، بل فیما اختزنته من کنوز، خاصه الفضه التی تحولت إلى شریان حیاه للإمبراطوریه، ثم إلى سبب رئیس فی انهیارها.
فی مطلع القرن السادس عشر، قاد المغامر هیرنان کورتیس حملته الشهیره لغزو إمبراطوریه الأزتک فی المکسیک، بینما اجتاح فرانسیسکو بیزارو إمبراطوریه الإنکا فی البیرو. لم یکن الغزو مجرد احتلال عسکری، بل کان افتتاحا لعصر من النهب المنظم. لم یکتف الإسبان بما جمعته حضارات هذه الأراضی من تحف ومجوهرات، بل انطلقوا یستکشفون ما تخبئه باطن الأرض من ثروات.
هکذا، تحولت أمریکا اللاتینیه إلى أکبر منجم مفتوح فی التاریخ، حیث قدرت الکمیات التی حصلت علیها إسبانیا بین عامی 1503 و1660 بحوالی 181 طنا من الذهب و16000 طن من الفضه. هذه الثروات لم تصل جمیعها إلى موانئ إسبانیا بسلام، فالقراصنه والعواصف وسوء الملاحه کانت تترصد السفن المحمله بالکنوز فی عرض المحیط.

کان منجم "بوتوسی" فی بولیفیا الحالیه جوهره التاج الإسبانی، اکتشفت فیه عام 1545 أغنى رواسب خام الفضه فی تاریخ العالم. هنا، استخدم الإسبان تقنیات جدیده مثل "التملغم"، أی الخلط بالزئبق لاستخلاص الفضه حتى من الخامات منخفضه الجوده، فقفز الإنتاج سته أضعاف بین عامی 1575 و1590. لکن هذا الإنتاج الهائل کان له ثمن بشری مروع، فقد استُغل السکان الأصلیون فی أعمال السخره داخل أنفاق المناجم الخطره، تحت الأرض فی ظروف لا إنسانیه، لیموت الآلاف منهم بصمت، بینما کانت الفضه تتدفق إلى أوروبا.
احتکر التاج الإسبانی التجاره مع مستعمراته، فکان على کل الفضه التی تستخرج أن تمر عبر میناء إشبیلیه الوحید، بعد خصم "الخمس الملکی"، وهی ضریبه 20 بالمئه لصالح الملک.

المفارقه الکبرى أن هذا التدفق الهائل للفضه، الذی أطلق علیه الإسبان "دم إسبانیا"، لم یغذِ قوه البلاد فحسب، بل أشعل فتیل انهیارها المالی. تسبب تدفق المعادن النفیسه وخاصه الفضه فی تضخم جامح فی إسبانیا، إذ تضاعفت الأسعار أربع مرات بحلول نهایه القرن السادس عشر، ما جعل البضائع الإسبانیه غالیه الثمن وغیر قادره على منافسه المنتجات الأوروبیه الأخرى.
تحولت إسبانیا تدریجیا إلى مجرد قناه تمر عبرها الفضه إلى بقیه أوروبا، فکانت تشتری السلع المصنعه من إنجلترا وهولندا وفرنسا بدلاً من أن تنتجها بنفسها. قال المعاصرون آنذاک إن إسبانیا صارت بمثابه "جزر الهند الشرقیه" بالنسبه لأوروبا، أی مجرد مصدر للمواد الخام.
لم تتوقف رحله الفضه عند أوروبا، بل عبرت المحیط الهادئ على متن سفن شراعیه ضخمه، لتصل إلى الفلبین، حیث کانت العاصمه الإسبانیه فی مانیلا سوقا مزدهره لشراء التوابل والحریر الصینی والخزف. کانت الصین قد اعتمدت الفضه معیارا لعملتها، فاستوعبت کمیات هائله من هذه المعادن، ولعبت الفضه الأمریکیه دورا محوریا فی الاقتصاد الصینی والتبادل التجاری العالمی. هکذا، ومن خلال هذه الشبکه المعقده من التجاره والنهب، وضعت الفضه الإسبانیه أسس الاقتصاد العالمی الحدیث، لکنها فی نفس الوقت کانت مصدر ثراء للبعض ومعاناه للآخرین.

على الجبهه الأوروبیه، انخرطت إسبانیا فی سلسله حروب مکلفه، الثوره الهولندیه، الحروب الإیطالیه، والصراع مع الإمبراطوریه العثمانیه. کانت الفضه الأمریکیه تمول الجیوش والأساطیل وتدعم الحلفاء، حتى اضطرت البلاد إلى الاقتراض بکثافه من المصارف الأوروبیه فی أنتویرب وجنوه. ثم جاءت سلسله الإفلاس المدویه أعوام، 1557، 1575، 1596، 1607، 1627، و1647. کل تخلف عن سداد الدیون کان یضعف الإمبراطوریه أکثر.
المقتل الحقیقی للاقتصاد الإسبانی لم یکن فی الحروب وحدها. الإسبان، الذین اعتادوا على سهوله تدفق الذهب والفضاء من مستعمراتهم، لم یستثمروا هذه الثروات فی تطویر الصناعه والزراعه أو دعم الابتکار التقنی. کانت إنجلترا وهولندا تبنیان مصانعهما وأساطیلهما التجاریه، بینما بقیت إسبانیا تعتمد على استیراد السلع المصنعه فی الخارج. البیروقراطیه الإسبانیه کانت مثقله بالفساد، وانتهى المطاف بمعظم الثروات فی أیدی الطبقه الأرستقراطیه والمؤسسات الکنسیه، ما عمق الصراع الاجتماعی وأشاع السخط بین عامه الشعب.
فی نهایه المطاف، أثبتت تجربه إسبانیا أن امتلاک الثروه لیس کافیا، بل المهم هو القدره على إدارتها بحکمه. فشلت الإمبراطوریه التی لا تغیب عنها الشمس فی تحویل کنوزها إلى تنمیه حقیقیه، فبدلا من بناء اقتصاد منتج، أنفقت مواردها على الحروب والترف، لتجد نفسها فی نهایه المطاف قد أفلست وفقدت مکانتها کقوه عالمیه. قصه إسبانیا مع الفضه تبقى مثالا صارخا یذکرنا بأن سوء إداره الموارد یمکن أن یحول أعظم الإمبراطوریات إلى رماد.
المصدر: RT